فرسان الحق
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

علمني الإمام السيوطي

اذهب الى الأسفل

أيقونة علمني الإمام السيوطي

مُساهمة من طرف بنت الخطاب الجمعة مارس 22, 2019 8:15 pm

بسم الله الرحمن الرحيم 





مقال الأستاذ علي الفيفي 

علمني الإمام السيوطي 


في الساعة العاشرة تقريبًا، من أحد أيام عام 1418هـ ذهبت بصحبة اثنين من الأصدقاء إلى مكتبة العبيكان، وقد كانت ملاذنا الثقافي تلك الحقبة، نجد تحت سقفها الكبير شعورًا بالثقافة حتى ولو لم نشتر كتبًا! كانت أشعة شمس الصباح المتسللة من زجاج المكتبة تعطي شكلًا جميلا للكتب والناس والأشياء داخل المكتبة..

صعدنا إلى الطابق الثاني، وكنت وقتها مهووسًا بالكتب، والقراءة، والثرثرة حول هذه الأمور، وبينما نحن في أحد ممرات الطابق الثاني نتناقش حول كتاب للإمام السيوطي، إذا بأحد العاملين في المكتبة يمرُّ بنا، ثم يعطينا رأيًا حول ذلك الكتاب، أو حول الإمام السيوطي(نسيت!)، ولعلَّ غرورًا ما أحبَّ تلك اللحظة أن يطلَّ برأسه من خلال كلماتي، فقلت وكأنِّي أريد أن أنصح ذلك العامل بأن ينشغل بعمله ويتركنا ونقاشنا: متى توفِّي الإمام السيوطي تقريبًا؟ اختبار قدرات! هكذا بكل فجاجة وصراحة، اختبار كان الراسب فيه هو المختبِر لا المختبَر! اختبار ظهرت نتيجته قبل البدء بالإجابة! رفع رأسه وأعلمني بلهجة سوريَّة غاضبة نوعًا ما أنَّ الإمام السيوطي قد مات عام تسعمئة وإحدى عشرة للهجرة (911ه).. وهو تاريخ وفاته رحمه الله بدقَّة!

شعرت بالحرج، وبأن ذلك الكبر الذي أطلَّ برأسه قد رجع خاسئًا وهو حسير..

الموقف لا أحسد عليه، بل حتى نظرات صاحبيَّ كان فيهما قدر من التشفِّي الذي كنت أستحقُّه بلا نقاش، ولا أقول هذا الكلام الآن، بل في لحظتها شعرت بأنِّي أستحق ما جاءني.. وبأنِّي قد تلقيت درسًا ممهورًا بختم الإمام السيوطي رحمه، فلا أقرأ كلامًا بعدها له _رحمه الله_ أو أرى اسمه، أو أقع على عدد 911 في أي كتاب، أو نهاية رقم جوَّال، أو رقم رحلة طيران.. إلا وأحس بباب غرفة شوهاء داخل قلبي ينفتح ويطلُّ من خلال ظلمتها وجه قميء جدًّا..




أزمة الثياب الرثَّة

جاء ذِكر أحد طلبة العلم في إحدى المناطق، وقد رفعه الله بالعلم مكانًا عليًّا، فأخبرني محدثي أنَّه كان يحتقر هذا الشخص قديمًا عندما كان يراه ينتقل من درس إلى درس، فيراه هزيل الجسد، بالي الثياب، فيقول بسخرية: هل يظن هذا أنَّه سيغدو طالب علم في يوم من الأيام؟

ومرَّت الأيام، وأراد الله أن يُري صاحبي أنَّه على كل شيء قدير، وأن الناس ليسوا بثيابهم، ولا بأجسادهم، وإنَّما بهممهم، وأعمالهم..

دخل الإمام الشافعي بلدة، وكان يرتدي ثيابًا رخيصة، فلم يؤبه له، ولم يعلموا أن الذي أتاهم هو من الشخصيات التي يصعب أن تتكرر، فقال _رضي الله عنه_:

عليَّ ثيابٌ لو تباع جميعهــــا

بفَلْس لكان الفلس منهنَّ أكثرا

وفيهنَّ نفس لو تقاس ببعضها

نفوس الورى كانت أجلَّ وأكبرا

لا تجعل الثياب الرثَّة إحدى أزماتك، ولا تضف إلى عقدك النفسيَّة عقدة الجسد الهزيل.. فعبد الله بن مسعود كان ذا ساقين هزيلتين، حتى إن الصحابة ضحكوا عليهما لما كشفتهما الريح، وهو يرقى على إحدى الأشجار، فجاء النبي ﷺ بالمعيار الحقيقي، فقال: "والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد" ..

وجبل أحد لمن لم يزر المدينة ليس جبلا بالمفهوم الذهني للجبل، بل سلسلة جبال تروعك ضخامتها وهيبتها.. تُرى ما وزنها؟ بل تُرى ما وزن هاتين الساقين العظيمتين؟

 
فتنة المتبوع

ما الذي يجعلنا نمارس الأستاذية على الآخرين؟ مع أنهم لم يصارحونا برغبتهم في حَنْيَ الركب لدينا، والتتلمذ على ترَّهاتنا؟

لماذا يريد الإنسان الذي بداخلي اجتياح الإنسان الذي بداخلك؟

لماذا لا تتوقف عمليات المناورة الاجتماعية هذه، لنتصافح من جديد، ولنلغ فكرة أن المجد والتميُّز والنجاح منطقة لا تتسع إلا لجسد واحد، وعقل واحد، وفكرة واحدة!

لماذا لا نفهم أننا لسنا محور الكون؟ وأنه بإمكاننا أن نكون جيِّدين، دون أن نقضي على جودة وطموح وتميُّز الآخرين؟

رحم الله رجالات السلف الصالح الذين عرفوا كثيرًا من أدواء النفوس، وداووها قبل ظهور المدارس النفسية التحليلية والسلوكية، وقبل طباعة "دع القلق وابدأ الحياة" و"العادات العشر" و"القبعات الست" ..

فهذا إبراهيم النخعي _رحمه الله_ لما رأى أن الاستناد إلى السارية يشعره أنَّه فوق من حوله بمرتبه، رفض أن يستند! قال تلميذه الأعمش: جهدنا بإبراهيم أن نجلسه إلى سارية فأبى! بل كان _رحمه الله_ لا يبتدئ حديثًا حتى يُسأل! إمعانًا منه في وضع شخصيَّته في قالب يجعل حجمها غير قابل للتمدد!

وهذا الحارث بن قيس _رحمه الله_ كان يجلس إليه الرجل والرجلان، فإذا تتابع الرجال بالجلوس حوله نهض وتركهم!

وكأن روحه تردد:

خذوا كلَّ دنياكمُ واتركوا

فؤادي حرًّا طليقًا غريبَا

وهذا علقمه طُلب منه أن يقعد لتعليم الناس السُنَّة، فقال: أتريدون أن يُوطأَ عقبي؟ أي أن يزدحم الناس حولي! والعجيب أن الأمر الذي نتحارب عليه، هو الأمر الذي يهرب منه علقمة! الفلاشات، الجماهير، الشهرة!

وهذا سعيد بن جبير _رحمه الله_ رأى الناس يتجمهرون ويمشون خلفه، فلم يشعره التجمهر بالنشوة، لم يظن أن ذلك من عاجل بشرى المؤمن، بل نهاهم وقال لهم: إن صنيعكم هذا مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع!

إنَّه العلم الذي يحمل معه العمل، لا العلم الذي يأتي حاملًا حقيبة الآفات النفسية!

وقبله ابن مسعود _رضي الله عنه_ قالها صريحة لمن يمشي خلفه، بطريقة لا أظنها سهلة على كثير منا: "لا تطؤوا عقبي، فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما تبعني رجل منكم"!

فكانت حياتهم صدى لوصيَّة المصطفى ﷺ حين قال:

"بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله".

موسم الحاجة إلى غرور


إذن فقبل أن تعيد إلى الآخرين حقوقهم في المجالس، فلا تحتقر هذا، ولا تظلم ذاك، ولا تنزل من قدر زيد، ولا تستهن بقدرات عمرو، ضع نفسك في مكانها الطبيعي، اعرف حدودك الجغرافيَّة، إن الذين يسألون الآخرين متى مات الإمام السيوطي، ماتت في دواخلهم قبل ذلك معانٍ مهمَّة أظهرها قوله سبحانه وتعالى {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .. أنت لا تعلم شيئا، فلماذا تنفخ صدرك بمعلومات مبعثرة، أو حتى مرتَّبة، يسبقها الجهل، ويتبعها الجهل، ويتخللها الجهل؟

الذي يجب عليك بخصوص الإمام السيوطي _رحمه الله_ هو الترحُّم عليه، أو الاستفادة من علمه، أو إهداء كتبه للآخرين، أما أن يكون أيقونة غرور تضيفها لأيقونات شخصيَّتك الضعيفة التي راكمتها على سطح مكتب حياتك.. ثم تضغطها عند الحاجة إلى تنفُّج ما، فلا!









يتبع..


_________________
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 
****
ويروى عن عائشة أم المؤمنين رضي أنها ذكرت عمر رضي الله عنهما فقالت: كان والله أحْوَذِيّاً، نَسِيجَ وَحْدِهِ قد أعدّ للأمور أقرانها"
بنت الخطاب
بنت الخطاب
منسقة المنتدى
منسقة المنتدى

عدد المساهمات : 1228
تاريخ التسجيل : 02/01/2017

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى